صداقة فليكس وجبران


صديق الأدباء أمين الريحاني الياس ابو شبكة مي زيادة الرئيس اميل اده صداقة فليكس وجبران من اقوال جبران بفليكس


أُقلِّب، الآن، المفكّرات التي كتبتها في نيويورك وفي بوسطن حين جالست جبران ساعات طويلة تركت في نفسي أثراً لم تترك فيها مثله أية شخصيّة كبيرة عرفتها في حياتي. أقلب هذه الأوراق فأجد فيها الشّيء الكثير مما لا يجوز أن أُبقيه لنفسي لأَنَّني أعدُّه الآن، ملكاً لكلّ من أحبَّ جبران ورأى في حياته النّور الذي يصبو إليه.

أمامي كتابان أحدهما أرسلته إلى جبران من نيويورك في 22 نيسان (أبريل) 1922 والآخر جواب منه عليه وقد نشرا كلاهما في جريدة السَّائح النيويوركيّة في ذلك الحين: 

"أخي جبران،

انتظرت ليصفو صوتي من غصّة الدُّموع، فما جفّت مناهلها، أردت أن أكتب إليك، مغرّداً، لا نائحاً، فرأيت القلم يَعصيني ، فأطعته.

كدت أسلم نفسي لمبضع الجرّاح لو لم أجد علاجاً أوقف به الآمي التي حملتها ستّين يوماً، فما أبقت لي غير عظام تسيُّرها الإرادة على الأرض، فتمشي.

جبران، إِنَّ رؤيتي إياك عليلاً، كانت أشدَّ عليّ من علَّتي، تعال لنذهب إلى وطن الجسد نحيْيه هناك. إِنَّ للجسم نَزَعات إلى ترابه كما أَنَّ للرُّوح نزعات إلى جوهرها عندما تثور عاصفة الآلام.

تعال، يا أخي، إنّ لنا كلينا في المصدر وفي المظهر جنحاً سليماً وجنحاً مكسوراً، فلنرم المكسورين ولنَطِر بالسّليمين إلى مستقرّ السُّكون..

إِنَّ في روحي إليك شوقاً يشبه الشّوق إلى المقرّ الذي تركت قلبي فيه، هنالك على مرفأ بيروت تتطلَّع عيناي إلى جِنان أرزي وجنَّات بلادي، وقُربَكِ، يا جبران، تتطلعُ روحي إلى أرزها الخالد كأَنّها على شاطئ الكون الحق...

تعالَ لنظفر بالوطنين ونداوي العِلَّتين، إِنَّ هذه المدنيّة التي نالت منك تبريحاً بعد سنين، قد نالت عليَّ بشهور، فتعال نستثمر آلامنا منها تحت ظلال الأرز والصّنوبر إذ نكون هنالك أقرب إلى الأرض وألصق بالسَّماء.

أتيت إخواني المهاجرين، شاعراً، فأراد بعض المتُسّيسين أن يمسخوني نفيعاً، وما كانت استفادتي في هذه الرّحلة غير غصّة في الروح وقَرْحَة في الحشاشة، ولكنَّني أتعزى بقطرات دموع أسالتها كلماتي على المنبر من جفون المهاجرين اخوتي. تلك القطرات هي كلّ غنيمتي : لقد أيقظت شوقاً كاد يموت في رقدته ونبّهت ألماً كاد في هَجْعته يجعل الداء مزمناً عُقاماً. وما من داء أقتل للأفراد والأمَّم من عِلّة لا تؤلم ضحيّتها..

كلّ ما أطلب من القوة المسيّرة العليا، هو أن تقدّر الوصول لي معك إلى بلادنا، فاستند إلى ذراعك وتستند إلى ذراعي، فنتمشّى على مهل بين أوديتها وجبالها، وعلى ضفاف أنهارها ، ونسمع زقزقة عصافيرها، فنفهم ما تٌسرّ الانهار، وما تقول الأطيار، وما تعلن الأنجاد والأغوار.

لقد اشتاقت عيناي إلى مرأى تراب الأرض وما فيه من تجليّات العالم الخفيّ، صدّق، يا جبران، أنَّني ما رأيت زهرة ناضرة، ولا نشقت عَرفاً ذكياً، ولا سمعت تغريد شحرور ولا مرّبي نسيم بَليِل منذ توارت آخر أشعّة رمقتها عيناي على آخر مشهد من أرض الشَّرق بلادك وبلادي.

دَعْ هذه البلاد العظيمة الغنية، وتعال معي إلى بلادنا الصّغيرة الفقيرة حيث لا تتكسّر الزنابق ولا تذبل الأزهار.

تعال، لقد عرف العالم الجديد فيك ما يُتاح للعالم القديم أن يخلق من قوّة في ضعفه، وقد حان الزَّمن الذي يجب فيه أن تعمل هنالك من إخوانك، قرب مقابر الأجداد على أحياء المبادئ السَّامية التي تمخّض الشّرق بها، قديماً، وهي تنتفض اليوم لتسود مدنيّة العالمين في آتي الزّمان.

تعال، لننبّه الآلام الساكنة تعال لتسمعَ سماؤك الصّافية كل ما في أناشيدك من الصّفاء، ولترسُم ريشتك عن الأصل ما ترسمه، الآن عن انطباعات الخيال في قلبك

سلام إليك من أخيك : فليكس فارس" 

وهذه فقرات جبران :

  "أخي فليكس،

لا ليس من الغرائب أن يَريشنا جبّار من جبابرة المظهر بِسَهم واحد في آن واحد، فيصيب منك جناحاً ويُصيب منّي جناحاً. لا بأس، يا أخي، فالألم يد تَكسِر قشرة النّواة لتستنبت لُبابها..

لم أزل رهن الأطباء الأخِصائيين، وسأبقى رهن مقاييسهم وموازينهم حتّى يتمرَّد جسدي عليهم أو تتمرّد روحي على جسدي، وقد يجيء التمُّرد بشكل الامتثال، والامتثال بشكل التمرُّد، ولكنّ تمرّدت أو لم أتمرّد، فلا بُدَّ من الرُّجوع إلى لبنان لابدَّ من التملُّص من هذه المدنيَّة السّائرة على دواليبَ، ومعانقة تلك المدنيّة المستسلمة لنور الشَّمس، على أنّني أرى من الحكمة ألاَّ أترك هذه البلاد حتّى أقطع الخيوط والسَّلاسل التي تربطني بها، وما أكثر تلك السّلاسل والخيوط. وأنت لا تريد أن أذهب إلى لبنان، وأتَّكئ في ظلاله، عاماً أو عامين، ثم أراني مضطراً للـرّجوع إلى الولايات المتّحدة لقضاء مهمّة منيّة أو للنّظر في مسألة كُتُبيّة. 

إنّني أريد أن أذهب إلى لبنان وأبقى ذاهباً... 

لقد تركت عندنا ذكراً عاطراً..الخ.. 

أما غطيط بعض المتسيّسين فلا يضرّ ولا ينفع بل يستدعي الشَّفقة، وأنت من المشفقين...والله يحفظك أخاً عزيزاً لأخيك. 

جبران"

****

إِنَّ داء جبران في خَفَقان قلبه قد بدأ سنة 1922، وعندما اجتمعت به للمرّة الأولى لمحت فيه ذلك التجلُّد المعلن في الأحشاء تمُّداً على الحياة.

رأيته يغالب أنفاسه مغالبة، فتنفرج شفتاه عن ابتسامة، كلُّها مرارة وحلاوة ووقف بعد ذلك معي على منبر "الأكاديمي أوف ميوزك" في نيويورك ليقدِّمني لمواطنينا المهاجرين فقال كلماته بخفقان قلبه لا بنبرات أنفاسه، فسادت تلك الكلمات جوَّ القاعة كأنَّها همس أرواح تحوم فوق كلّ جوانبها. 

ورأيته في قاعته الواسعة التي يملكها في بناية رجال الفنّ يحيط به أعضاء الرابطة القلمية بعد أن خرجنا من المجمع العلميّ الأميركي في الشّارع الخامس حيث كنت ألقيت محاضرة بالإفرنسية عن سوريا ولبنان، وكُنّا كُلّنا ضيوف جبران ذلك المساء، نُحْيي ليلة من ليالي جبلنا الأشم في تلك القاعة الواسعة، حيث كان فراش عبقري الشّرق، ومكتبه ومعدَّات عمله في الرَّسم، وهنالك، في متحف الفنّ ومستلهم الفلسفة والشّعر، كان جبران، كاهن هذا المعبد يقوم بنفسه بخدمة ضيوفه على رنين أوتار العود، وصوت الاستاذ كاستفليس. 

وكان جبران يعجب بقصيدتين لي إحداهما بعنوان "مناجاة النّفس" قدّمتها له، وتوجّتها برسمه، والأخرى بعنوان "تُربة الجدود" وهي أبيات كنت نظمتها على أثر وصولي إلى الولايات المتّحدة وإصابتي بالالتهاب الرَّئوي والأبيات الأخيرة ترجمها جبران إلى الانكليزيّة شعراً، ونشرت في مجلّة أدبيّة، ولم تزل التّرجمة بخطّ جبران لديّ بين ما أحفظ من آثاره. 

وقد رغب جبران ذلك المساء إلى الاستاذ كاستفليس أن يُشد هاتين القصيدتين بصوته الرّائع فمضّينا بسماع الإنشاد ساعة، كان أجمل الشِّعر فيها يتدفَّق من عيني جبران، وإنّني لأورد هاتين القصيدتين وأحسبهما من وَحْي الفقيد الخالد نفسه، وقد اراد أن يَرْبط فيهما روحه بروحي. 

إبنة النور 

 

قد كَفَى ما جَنَى من التَّجريحِ
أنت روحٌ لِعالم الروحِ روحي

 

تتجلَّين في الضّلال الصَّريحِ
لمحةُ الحسنِ في المحيَّا القبيحِ

 

كلُّ وجه، لولاك، غير مَليح
للمعاني، واللفظُ غيرُ فصيحِ

 

 

يا ابنة النُّور، رحمةً بالجريح
أسْدلي السّتر فوق وجهك، وأمضي

 

أنت رمز الكمال حقٌّ خفيّ
صورةُ الصّدق في فؤادِ كذوبٍ

 

كلُّ قلب، لولاك، يبدو كذوباً
أنت معنى الأكوان، والكون لفظٌ

 

قبل ما جئتُ عالم التَّلميحِ
عٌ، كَحبْل الجَوْناء عند السُّفوحِ

 

ـدين لعيني في كلِّ شكل صبيحِ
لِغرامي، إلى شَفيرِ الضَّريحِ

 

فغراماً بمهجة المقْروحِ
ـتِ، فكان التَّخمينُ غير صحيحِ

 

عن خيالٍ في ذا البقاءِ جَموحِ
ثمَّ يمضي بزَفْرة المذبوحِ

 

آلهاتُ الهوى بشكلٍ فَضيحِ
ويح نفسي من ذا الوجودِ القبيحِ

 

 

قد تجلَّيت لي بشكلٍ صريحِ
وبروحي من نورِ وجهكِ إشعا

 

يا ابنة النور قد حسبتك تَبْـ
من سريري، لِملعبي، لِعلومي

 

كنتِ أمّاً، فصرت لهواً، فعلماً
كلُّ شيء قد كنت أحسبه أنـ

 

هُتِكَ السِّتر في كرور الليالي
يتولَّى زِمام شوقي، فيهفو

 

فُضِحَ العلمُ، فهو جهل، ولاحت
كلُّ شيء بدا قبيحاً لعيني

 

دةِ تَرْويَ من دمعها المسْفوحِ
يَتَجلّى من ناظري المفتوحِ

 

طر أمامي في ذا الفضاءِ الفسيحِ
كلُّ شيء قد كان قَبضة ريحِ

 

كظلام على الهواءِ سَبوحِ
ذا التَّفاني على السّبيل الطَّموحِ

 

مٌ تَوارى عن نظرةِ المستبيحِ
تِ فكُفّي عن البُكا، لا تَنُوحي

 

تَتواريْنَ في مجاهل رُوحي
في رُبى النُّور فاصبري، واستريحي

 

 

إيهِ نفسي ! أراك تَبكين كالغا
قد عَشقتِ الحياة تَرجين نوراً

 

صِرتُ أعمى، وابنةُ النور لم تخـ
خَدَعتْني الأشياءُ دوراً فدوراً

 

يتجلَّى، حيناً، كنورٍ ويمضي
إيهِ نفسي أتعبَتِني فإلى ما

 

إبنة النُّور جوهر فيك مكتو
ذاك سِرُّ الحياة يكمن في المو

 

إبنة النُّور، أنتِ ذاتٌ لِذاتي
سوفَ يجلوكِ لي انعتاقك منّي

 

****

أما الأبيات التي ترجمها جبران إلى الإنكليزيّة، شعراً، فهي

وهذه ترجمة القصيدة بالانكليزية والكتاب الذي أرفق بها وكلا الترجمة والكتب بخطّ يد جبران.

 وبعد انقضاء تلك السَّهرة في ساعة متأخِّرة من الليل، سار جبران معي إلى محطّة النَّفق، (سِكَّة تحت الأرض) ليشيّعني الى طريق منزلي، وكنت اذ ذاك في دائي أقرب إلى القبر من جبران في دائه، وكان متأبّطاً ذراعي، نسير كِلانا تحت ناطحات السّحاب، شاعرين بالقوّة الماديّة السَّاحقة تحيط بنا، وتعلو رؤوسنا، وكلانا مختلج القلب ناحل ضعيف.. 

أعود إلى مفكّراتي لآخذ منها ما دوَّنته، ذلك المساء فيها، عند وصولي إلى غرفتي في أمتي ستريت في 21 آذار مارس سنة 1922: 

وإذ نحن متّجهان إلى باب النَّفق، وقف جبران،بَغْتةً في مسيره، وقبض على يدي الناحلة بكلتا يديه وصوّب نظره إلى حدقتيَّ وقال بصوته الصّافي العميق . 

- إنَّك متألم، يا أخي، وفيك قرحة في الرُّوح وقُرحة في الأحشاء، أمّا رِوحك فلن يَشْفيها سوى بُلوغها مدى الأَلم، وأنت تدفعها الى ما قدَّر لها بجلدَك وجهادك وصبرك. أمَّا جسدك، وفي احشائه قُرحة، فليس من حقّك أن تُرهقه بالمكابرة. دَعْني أذهب بك إلى أكبر جَرّاح في الولايات المتّحدة، إِنَّ صندوق أخيك جبران لك، كما أنّ لك عطفه وكلّ حنانه.

دعني أُمثَّل لبنان فأسعى إلى شفائك، وتكون يدي رابطة على يدك، فلا تشعر بأوجاع جراحك.

تهدّج صوتي في صدري، فاختنق، وعانقت جبران، فإذا بقطرات دمعه تبلّ خدّي، وقطرات دموعي تبلُّ خدّيه..


صديق الأدباء أمين الريحاني الياس ابو شبكة مي زيادة الرئيس اميل اده صداقة فليكس وجبران من اقوال جبران بفليكس