الصفحة الاولىسيرة حياته المحامي الرجل السياسي الشاعر صديق الادباء من اقوال فليكس فارس مسقط رأس الشاعر، المريجات صور لفليكس فارس مجموعة فليكس فارس


محاكمة فؤاد المعراوي في 17/6/1924

 

يا رجال العدل

ان فؤاد المعراوي الرجل الذي يطلب الحق الشخصي والحق العام له الاعدام ويشاركهما في هذا الطلب المتهم الاول الذي خمدت عن يده أنفاس مقصود لرجل تدور حوله الحبال من كل حدب وتحدق به الاعمدة من كل صوب ويعلم الله أنه لا يحتاج إلى رحمة لتتبدد هذه الرؤى الهائلة من أمام عينيه.

ولو احتاج هذا الرجل الى الرحمة لما وقفت أمامكم أتكلم بلسانه.

ان طالب الرحمة ذليل وموليها ضعيف وأنا أربأ بنفوس قضاة بلادي أن تكون ضعيفة واضن بالمنطق مني أن يكون حاملاً نبرة من نبرات التمويه والذل.

لن يرسل مجلسكم العالي رجلاً الى الاعدام لمجرد توهم يريد أن يعدد القاتلين بلا موجب يقوم من دليل أو من قانون.

إن هذا الرجل يطالبكم بالعدل والعدل أعظم منا ومنكم وممن يكتبون باسمه الشرائع وممن يقومون بانالة الحياة وانزال الموت. ذلك العدل الذي نطالب به انما هو العدل الذي لا يحتاج الى المطالبة برحمة لان الرحمة قائمة فيه.

اذا لم يكن العدل متضمناً الرحمة فلا خير في رحمة تتطاول على العدل.

أيها القضاة،

لقد سمعتم ما أوردته النيابة العامة من الادلة وسمعتم أقوال الحق الشخصي على انواعها. كل ما قيل لا تسمع أرقى محاكم العالم أعمق منه استقراءاً وأفصح منه تعبيراً. وقد كنت أتفرس في وجوهكم أيها القضاة وأنتم تسمعون هذه الاقوال مستغرقين في درس نفوسكم والاهتمام الشديد باد لفتاتكم المهابة الجميلة فاراكم كمن ينتظر من لمعات الافكار دليلاً تهتدون بها الى الحلقة المفقود في هذه القضية.

كل ما قيل وكل ما أقول أنتم بغنى عن سماعه أيها القضاة لاننا لا نعلم من الوقائع أكثر مما تعلمون والكلمة التي كنتم تنتظرونها من المهاجمين باسم الانسانية وباسم الفرد المقتول انتظرتموها عبثاً وما قدر أحد أن يقدمها لوجدانكم مستنداً. ان الكلمة التي تقدرون بها أن لا ترسلوا المتهمين الى عقدة الحبل الى قبضة الانسانية المتشنجة معلقة للانتقام بين الارض والسماء لم يقدر أحد أن يلقيها أمام وجدانكم ولن يستطيع أحد أن يقولها لأن الغيب قد احتفظ بها لنفسه...

لقد سمعتم الاستاذ نصار يكلمكم بخلاصة اختبار البشر بلغة القانون الجّافة وفيها كل شعر العدل ونثر فقال أما أن يكون فؤاد هو قاتل ميخائيل أو ان يكون نجيب هو القاتل فان كان الافتراض الاول فنجيب قاتل أيضاً لانه مقدم السم وفاتح بيته للجناية التي هيأ كل أسبابها ولكن عندما تناول الاستاذ الافتراض الثاني عصته المقابلة في القياس فراح الى قوانين كل شعوب الارض يتلمس فيها ما يستند اليه في مسألة التدخل التام والتدخل الجزئي وعندما شعر أن العدل عدل كيفما كتب القانون وأينما كتب أوقفه وجدانه الصحيح عند هذه الحقيقة الابدية التي لا تتغير

لانها من شريعة الله لا من أوضاع البشر وقف أمام هذه الحقيقة وهي :

القاتل يقتل ولا يقتل الا القاتل.

عند ذلك رأينا الاستاذ نصار ينسحب بكل ما أوتي من قوة بيان نحو المادة 45 وعندما رآها مُستمدّة روحها هي أيضاً من العدل الابدي اسقط يده برشاقة وقبض على ذيلها الناعم المرن الذي لا يمكنه على ما فيه من مرونة أن ينعقد حبلاً على عنق فؤاد المعرّاوي...

أيها القضاة

ان ذيل المادة 45 الذي علقته يد السلطة مستمد أيضاً من المبدأ الذي حصر الاعدام بالقاتلين.

لقد كان زمان عاثت به العصابات في البلاد مهددة حياة المجموع فكانت كل عصابة تخرج على الوطن المطمئن تعدّ شخصية شر واحدة مهما كثر عدد أعضائها.

وقد كان من واجب السلطة أن تضع حداً لهذه الجنايات بوضع هذا الذيل الذي كان معناه في قضية سليم عدنان مثلاً (لا يقتل الا القاتل).

أما اليوم فما معنى هذا الذيل الا اعتداء على حق الانسانية في سلب الحياة وتهجم على حق الله في انزال قضائه...واذا ما استعمل المجلس العدلي ما يضعه هذا الذيل في يده من سلاح فانه يثبت للملأ أن في البلاد عدلين.

وان بلاداً فيها عدلان لا عدل فيها...

يجب أن تكون سلطة القضاء مستقلة عن السلطة الادارية وأين استقلال القضاء في تنظيم يجعل حق الحكم بالاعدام في قبضة الحاكم ونظّاره وهم يلقون لمسؤولية الى وجدان القضاة...

ان العدل روح سامية ترفرف بلا جناح وتسعى بلا أرجل فاذا ما رضيت البلاد بمحكمتين وشريعتين فإنما هي قابلة لعدل كائناً أعرج احدى رجليه المكسورة هذا المجلس العالي وفيه أكبر أدمغتنا وأشرف قلوبنا.

ان المجلس لن يرضى بهذه الاهانة وان هو رضي بها فنحن نتمرد بوجداننا عليه وعليها...

أيها القضاة،

ان من يحكم بالاعدام يكون عندما يلقي بالكلمة الرهيبة جالساً مع الله جلّ جلاله على عرشه...

لقد قال الله كوني فكانت وله وحده أن يقول موتي فتموت...والقاضي الضعيف الحقير أمام عظمة الأزل والخلود لم تعطه الانسانية حق التكلم باسم الله اذا كان وصل الى اقصى وجدان المجرم وانكشفت أمامه حياته جليّة واضحة بعيدة عن كل مظنّة وشبهة كما تتجلى أمام عين الله.

انكم تتهيئون للحكم أيها القضاة والاتهام يدعوكم الى الاخذ بذيل المادة 45 في حين أن موكلي لا دخل له في جناية القتل لا اصلاً ولا فرعاً ومع هذا فلا جلّ تقرير حقيقة لا بد من الاخذ بها اسمحوا لي أيها السادة أن أذكّركم ان على أنقاض

وزارة الارتجاع التي كادت تعود بفرنسا إلى الوراء قامت الوزارة الحرة التي تمثل فرنسا كما صورها لنا تاريخها على صفحات الاجيال وقد تكونون طالعتم أمس أن هذه الوزارة قد الغت القوانين التي صدرت ودون تصديق المجلس فوزارة فرنسا الحرة التي لم تنكر ماضيها لا يمكنها أن تصدق قانوناً لا مبرر له في حالة السلم والامن ولا يمكن لها أن ترضى بمادة أو بذيل مادة يلقى على شعب دون تصديق نوابه خصوصاً اذا كان من وراء هذا التشريع ما يتعلق بالحياة والموت.

ان حاكم لبنان ونظاره قد اتخذوا على عاتقهم بعث هذا الذيل من قبره بعد أن قضى عليه من أمر به. ولا أعلم بل لا أظن ان القائد العام قد استشير بالامر والقائد العام لا يضع الشدّة موضع اللين كما أنه لم يضع اللين موضع الشدة.

اذا شنق هذان المتهمان غداً بهذا الذيل الميت وقلنا لفرنسا الحرة أن العدل الاعرج عندنا يقتل ويحيي بفعل واحد وبمادة واحدة فلا أدري من تلوم فرنسا إذ ذاك الحاكم الفرد الذي خدع بسياسة الاحزاب أم هذا المجلس أم هذا الشعب الذي استنام فديس عليه ورضي بالاهانة فاهين.

اذا تمشى فؤاد ومعه نجيب غداً الى المشنقة وعلى صدرهما ذيل المادة 45 فان الشعب كله سينحني باكياً واذا كان هذا الشعب قد ماتت فيه عاطفة حريته فان الارز سيضطرب ناحباً من أعالي عزته  ومجده فيجاوبه خرير بردى وحفيف حدائق حلب بالانين وما يضطرب الارز لموت رجلين مجرمين بل يضطرب لموت حقه ومذلة شعبه...

ان المعراوي لن يقتل أيها القضاة ما لم يثبت لديكم أنه القاتل وأنا باسم

الانسانية المتجلية في الفرد بكل قوتها أقف أمامكم صارخاً أتقدرون أن تصرحوا أمام الله والناس بكل ما في وجدانكم من الطهر والاعتلاء ان فؤاد المعرّاوي هو قاتل ميخائيل مقصود ‍!؟!

ان ترددتم لحظة فلا تنطقوا بالكلمة الرهيـبة لأن الله يكون مانعها عنكم واذا فعلتم فانما تكونون اختلستموها منه اختلاساً. وهنالك أيها الناس وأنتم الاموات اليوم لانكم ستموتون غداً - لا يمكنكم أن تقفوا أمام عرش الله مدافعين عن أنفسكم بكلمة خطها قلم انسان حتى ولو كان هذا الانسان ملك الارض بأسرها.

أما اذا تمكنتم من الجواب على هذا السؤال ايجاباً فلكم عنق المعراوي أخمدوا أنفاسه بين الأرض المملوءة بالشبهات والظنون والأخطاء. انه إنْ لم يمت اليوم فيموت غداً ولكن تذكروا أن كل من طالب باعدام هذا الرجل سيخرج من بين جدران هذا المجلس نافضاً يده وان القائد العام الذي سيلقى بتوقيعه على رقعة الاعدام سيكسر قلمه بعد التوقيع ويقول على ذمة القضاة امرت بالقتل...

الكل سينسحبون أمامكم أيها القضاة وأنتم وحدكم تبقون أمام وجدانكم...فلا  تسمعوا لغير هذا الوجدان صوتاً هنالك لا تجدي نفس عن نفس شيئاً.

قولوا كلمة الاعدام اذا شئتم أما أنا فبعد أن تكلمت بما أوحى الحق اليّ وقد أوجدت بالعذاب والالام لصوت الحق الى نفسي سبيلاً بعد أن قمت بواجبي أحني الرأس وانسحب من أمامكم شاكراً الله لأنني لست أحد الخمسة الذين يمثلون الانسانية ويتحملون مسؤولية الحياة والموت.

فليكس فارس
بيروت في 17 حزيران 1924.


الصفحة الاولىسيرة حياته المحامي الرجل السياسي الشاعر صديق الادباء من اقوال فليكس فارس مسقط رأس الشاعر، المريجات صور لفليكس فارس مجموعة فليكس فارس